الخميس، 19 فبراير 2026

كليب وائل

 

كُليب وائل:

هو كليب وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حُبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، ولقب كليبا لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب فإذا مر بروضة أو موضع أعجبه ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه وكان يقال له كليب وائل ثم اختصروا فقالوا كليب فغلب عليه ([1])، وهكذا تروى القصة سبب تلقيبه بهذا الاسم وقد لاحظنا في أكثر من موضع من أسماء رجال الجاهلية كيف ان الألقاب قد غلبت على الأسماء واشتهرت أكثر من اشتهار الأسماء ولا ارى أن ما يذكر في هذا الموضوع إلا من ابتكارات الإخباريين في تفسير كل أسم من أسماء أعلام الجاهلية ، وإن كان العرب قد عرفوا بحبهم للألقاب من العصر الجاهلي . 

و هو سيد الحيين بكر وتغلب في الجاهلية سيد ربيعة في زمانه وقاد نزار كلها  ، وأحد الأبطال والشجعان ، وهو أخو " مهلهل بن ربيعة " وخال امرئ القيس بن حجر الكندي ،  عرف عنه تسلطه وتشبهه بالملوك وبغيه وتجبره ، والعرب تضرب به المثل في العز والقوة والظلم وكان لا يظلم إلا القوي وبلغ من عزه وظلمه أنه كان يحمي الكلأ ويجير الصيد ، وحرم الناس الصيد والرعي في أكثر الربوع وبلغ من هيبته انه كان يحمي مواقع السحب ، حتى قيل في الأمثال ومن أمثالهم : " هو في حمى  كليب " لمن كان آمنا ، وكان مقتله سبب في إثارة حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب المشهورة التي دامت أربعين سنة ،  وقد قتله الجساس بن مرة الكلبي ، وتذهب الرواية إلى أن امرأة من بني تميم تدعى البسوس كانت لها ناقة اقتحمت حرم كليب فقتلتها ؛ فغضب جساس، وانتقم منه بقتله. فكان ذلك سببا في قيام حرب البسوس بين بني تغلب وبني بكر والتي استمرت أربعون سنة كما يزعمون ([2]). وقد ذكر ياقوت أنه قتل في الذنائب وهي عن يسار ولجة للمصعد إلى مكة وبه قبره ([3]).

وقد قيل أنه لم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر وهم : الأول عامر بن الظرب  وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى تهامة والثاني ربيعة بن الحارث وكان قائد معد بوم السلان بين أهل اليمامة واليمن ، والثالث وائل بن ربيعة وكان قائد معد يوم خزاز ففض جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته وبقى زمانا من الدهر حتى دخله زهو وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه يحمي مواقع السحاب فلا يُرعى حماه ([4]).

ويرتبط كليب وائل بأيام كانت معروفة في تاريخ العرب ومنها يوم السلان ويوم خزاز وحرب البسوس . وقد ذكرنا من قبل في يوم خزاز ان يوم السلان وخزاز كان بعد وفاة الحارث بن عمرو الكندي في بعض الروايات ، وقد حكم الحارث بن عمرو من سنة 490 م - وحتى 528م  .

 ويذكر جواد علي أننا إذا أخذنا بمن يذكر أن يوم خزاز كان عقب السلان يكون هذا اليوم قد وقع أيام النعمان بن المنذر أي في أواخر أيام المناذرة وفي النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ([5])  ، أي انه حدث بعد سنة 582م  وهذا يتعارض مع ما ذكره جواد علي من أن كليب وائل من رجال النصف الأول من القرن السادس الميلادي ، ويتعارض مع ما ذكره الزركلي عن وفاة كليب وائل في عام 492م ويتعارض أيضا مع ما يذكر من قتل عمرو بن كلثوم وهو بمثابة حفيد كليب وائل لعمرو بن هند في عام 568م  ، وقد ذكرنا في يوم السلان أن هناك يومان يعرفان بيوم السلان يوم جرى قبل يوم خزاز وقد جرى بين معد وقبائل اليمن ويوم جرى في زمن النعمان بن المنذر بين جيش النعمان وتميم من جهة وبني عامر وانهزم فيها جيش النعمان وباالتالي فقد اخطأ جواد على في ربطه يوم خزاز بالنعمان بن المنذر لأن ذلك كان يوم السلان الثاني لا الأول .

وفي اعتقادنا أنه إن ثبت أن قائد معد في يوم خزاز هو كليب وائل وقائد جموع اليمن سلمة بن الحارث فإن هذا اليوم قد جرى ما بين عامي 528م حيث انتهى عصر الحارث بن عمرو الكندي وحتى عام 568م [ يحدد الزركلي وفاة عمرو بن هند عام بنحو عام 578م ] وجرى فيه مقتل عمرو بن هند على يد عمرو بن كلثوم ( ت 584م ) ابن اخت كليب وائل على الأكثر والذ ذكر يوم خزاز في شعره ، وقيل فيه " لولا عمرو بن كلثوم ما عرف يوم خزاز " .

وتريط روايته بمقتل أحد ملوك اليمن واسمه وقيل صهبان بن أبي حرب ( صهبان بن محرث ) وتذكر هذه الرواية أنه ملك بعد أبرهة بن الصباح بن لهيعة وكان ابن عمه، وأن صهبان استعمل على معد الحارث بن عمرو الكندي فلما مات الحارث ثارت قبائل معد على أبنائه فقتلوهم وطردوهم فغضب صهبان وتهجز للمسير إلى مضر فاستنصرت مضر ربيعة واجتمعت مضر وربيعة ورئيسهم كليب فقاتلوا صهبان في السلان فهزموه وقتلوه في خزاز ([6]) ، وهذه الرواية أيضًا تربط بين كليب ويوم خزاز وتتحدث عن أن هذا اليوم جرى بعد موت الحارث بن عمرو الكندي . 

ويذكر صاحب الأخبار الطوال في رواية أخرى شبيهة تذكر أن يوم خزاز يرتبط بمقتل صهبان ابن ذي خرب وقيل أنه أحد ملوك حمير لم قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع تضعضع أمر حمير فوثب صهبان ابن ذي خرب على عمرو بن تبع فقتله واستولى على الملك ، وأنه ملك الحارث بن عمرو الكندي الذي ولى ابناءه على قبائل مضر  فلما مات الحارث بن عمرو ، وثبت قبائل مضر وربيعة على أبناء الحارث وقتلوهم طردوهم فلما بلغ صهبان ذلك آل على نفسه ليغزون مضر بنفسه فاجتمعت مضر وربيعة وولوا الأمر كليبًا فلقيهم صهبان وجيشه بسلان فانهزمت اليمن ، فنصرف الملك إلى أرضه مفلولًا فمكث حولا ثم تجهز لمعاودة الحرب فاجتمعت معد على كليب فالتقوا بخزازي فقتل الملك  صهبان  ([7]). ووثوب صهبان على عمرو بن تبع هذا يقتضي أن يكون هذا قد حدث  في منتصف القرن الخامس الميلادي فحسان تبع هو حسان يهأمن بن أبي كرب أسعد والذي ملك في سنة 420م ، بينما موت الحارث بن عمرو كان في 528م وهي فترة طويلة ليملك هذا الملك .

ويذكر جواد علي أن " هناك روايات أخرى تذكر أن هذا اليوم، إنما كان قد وقع بين ملك من ملوك اليمن وبين قبائل معد، ولا علاقة له بسلمة وببني آكل المرار أو المنذر بن ماء السماء في هذا اليوم، الذي أدى إلى انتصار بني معد على أولاد قحطان " ([8]) ، وهذا قد يوسع من زمن تحديد تاريخ هذا اليوم في القرن الخامس أو السادس .

وعلى العموم فإن أبو عمرو بن العلاء يذكر أن هذا اليوم قديم وعمرو بن العلاء يستنتج من شعر عمرو بن كلثوم أنه لا علاقة لكليب وائل بهذا اليوم ([9]) .

وقد حدد الزركلي زمانه كليب وائل بين ( 433 – 492 م ) ([10]) ، بينما يعتبر جواد علي ان كليب وائل من معاصري زهير بن جناب ومن المنافسين له ومن رجال النصف الأول من القرن السادس للميلاد وقد جمع شمل قبائل ربيعة تحت رايته ثم جمع شمل معد ([11]) وقد سبق أن ذكرنا وفي ترجمة زهير بن جناب أن زهير قاد العرب بعد حملة أبراهة على نجد سنة 552م.

وكليب وائل هو جد عمرو بن كلثوم وقد قتل عمرو بن كلثوم ملك الحيرة عمرو بن هند في عام 568م [ يذكر الزركلي ان مقتل عمرو بن هند كان نحو ( 45 ق . هـ =  578م  ] وكليب وائل هو بمثابة جد عمرو بن كلثوم فأم عمرو هي ليلى بنت المهلهل بن ربيعة أخو كليب بن المهلهل فيكون ما بينهما وعلى قاعدة النسب ما يقارب الستين سنة أي أن كليب وائل قتل في النصف الأول من القرن السادس أو أواخر القرن الخامس ، وما يؤيد هذا أن مهلهل عاش بعد كليب هذا بما يزيد عن أربعين سنة أي ان موت كليب كان قبل عام 528م على الأقل ، ومما يزيد في تأكيد صحة ذلك أنهم يذكرون أن أول من قصد القصائد المهلهل بن ربيعة وكان ذلك في زمن هاشم بن عبد مناف أو عبد المطلب ورعم ان جواد علي يرفض هذا الرأي ويرى أن هذا لا يؤيده أي نص تاريخي ([12]) .

وكان لكليب وائل ولحرب البسوس تأثيره الكبير على التراث الشعبي العربي ، يقول عبد الحميد يونس في معجم الفولكلور : ( ولقد اتخذت حرب البسوس مكاًنا بارزا في أيام العرب الجاهليين، وتردد اسم كليب في الروايات الخاصة بالنزاع بين بكر وتغلب بصفة عامة. وهكذا أصبح كليب من الشخصيات التي يضرب بها المثل في القوة والسلطان. وإذا كان اسم كليب قد ذكر في بعض الشعر الجاهلي؛ فإن شخصيته والحوادث التي ارتبطت بسيرته وفعاله أصبحت نواًة حية للقصص الشعبي . )([13]) .



([1])انظر : مجموع أيام العرب في الجاهلية والإسلام  لإبراهيم شمس الدين ص 25 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، 1422هـ / 2002 م .

([2]) انظر : ثمار القلوب ص 99 ، دار المعارف ، القاهرة . وانظر :  الأعلام ج 5 ص 232 ، 233  . وانظر : معجم الفولكلور ص 182 .

([3]) انظر : العقد الفريد ج 1 ص 113 ، ط2 ، دار صادر .

([4])انظر : مجموع أيام العرب في الجاهلية والإسلام  لإبراهيم شمس الدين ص 26 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، 1422هـ / 2002 م .

([5])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 10 ص 32 .

([6]) انظر : نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج 15 ص 302 ، دار الكتب والوثائق القومية  .

([7]) انظر : الأخبار الطوال ص 52 ، 53 ، دار إحياء الكتب العربي .

([8])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 2 ص 152 .

([9])انظر : العقد الفريد ، ج 6 ص 97 ، 98 . .

([10]) انظر : الأعلام للزركلي ج 5 ص 232 ، ط15 ، دار العلم للملايين .

([11])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 10 ص 75 .

([12]) امظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 17 ص 423  .

([13]) معجم الفولكلور ص 182 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق