السبت، 5 سبتمبر 2020

يا أم الغيث غيثينا / معجم الأساطير /

 

أم الغيث :

معتقد شعبي عربي يتعلق بالطقس وطلب المطر وينتشر في الكثير من البلدان العربية .

يقول مفرج السيد في حديثه عن مآثر بدر : ( وكنا ونحن صغار عندما ينحبس المطر يقول لنا أهلونا : غيثوا يا بزران ، فنجتمع في طابور من الأطفال الصغار من أولاد وبنات كلاً يمسك برقبة الذي قبله ثم ننطلق حتى نصل إلى قبر هناك يسمى قبر سيدي سعد أبي شوشه ، ونحن نقول في طريقنا :

يا ام الغيث غيثينا

واطفي شمعة راعينا

وانبيغ يا الله من الظما

وانبيغ يا ربنا اسقينا

ونحن نقلد بذلك صوت الغنم العطشانه ، ثم نعود ونحن نردد هذا الكلام حتى نصل الحارة ونتفرق .

وقبر سعد أبي شوشه كان الأولون يعتقدون فيه أنه من الأولياء كما هي العادة في ذلك الزمن ، وقد اضمحل هذه الخزعبلات بفضل الله ثم بانتشار العلم وذهاب الجهل والفهم الديني والعودة إلى السنة المحمدية الشريفة ، ويظهر من سيدي ( أبي شوشه ) أنه من أهل المغرب . ) ([1])  .

ويذكر الصويان أن من المعتقدات الشعبية أن أطفال الرولة وفي السنين المجدبة يحملون ما يسمونه أم الغيث وهي على شكل صليب كبير يلبسونه ثوباً قديما من ثياب النساء ويحمل أحد الأطفال هذا التمثال وتتبعه المجموعة مرددين :

يامّ الغيث غيثينا

بلي بشيت راعين

يام الغبث غيثينا

من المطر واسقينا

يام الغيث غيثينا

من مد الله مدينا

يام الغيث غيثينا

من الوبل واعطينا ([2])

وينقل تيمور عن القاموس أن المُطَّيري : دعاء للصبيان إذا استسقوا  ([3]).



([1]) من بحث بمسمى ( من مآثر بدر )  .

([2]) حداء الخيل للصويان ص 13 ، الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ، ط 1 ، 1408هـ / 1988م .

([3])معجم تيمور الكبير للألفاظ العامية ، ج 3 ص 321 ، 322 .

الاثنين، 31 أغسطس 2020

كتاب النوادر لأبي عبد الله بن الأعرابي ، معجم الكتب

 

كتاب النوادر ( كتاب النوادر الكبير)  ، لأبي عبد الله بن الأعرابي ( * )


من تأليف أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي مولى بني هاشم ، قيل أنه مولى بنى مجالد موالى أمير المؤمنين، وكان زياد ( والده ) عبدا سنديا مملوكا لسليمان بن مجالد وابن أخيه إبراهيم بن صالح ، وقال الجاحظ  : كان محمد بن زياد مولى للعباس بن محمد ( الهاشمي ) ، ولم يكن عربيا.

وكان من علماء اللغة بالكوفة كان أحول أعرج ، وكان ناسبًا نحويًا كثير السماع راوية لأشعار العرب كثير الحفظ لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه  ، وذكر ثعلب عنه أنه ولد في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة ، أي أنه ولد في سنة 150هـ .

أخذ عن الكسائي كتاب النوادر ، وحدث عن أبي معاوية الضرير وقيل قرأ على القاسم بن معن وسمع من المفضل بن محمد ، وقيل أنه ربيب المفضل الضبي كانت أمه تحته . وروى عنه أبو إسحاق بن إسحاق الحربي ، وأبو العباس ثعلب وأبو عكرمة الضبي وأبو شعيب الحراني ، وكان ثقة . وذكر ابن النديم أنه روى عن جماعة من فصحاء الأعراب منهم الصموتي والكلابي وأبو المحبب الربعي .

ونقل ابن القفطي عن كتاب لأبي منصور الأزهري أنه كان رجلا صالحا ورعًا زاهداً صدوقًا ، وأنه سمع من الأعراب الذين كانوا ينزلون بظاهر الكوفة بني سعد وبني عقيل فاستكثر ، وجالس الكسائي وأخذ عنه النوادر والنحو ، وذكر القفطي أيضًا عن الأزهري أن ممن روى عن ابن الأعرابي ابن السكيت وأبو عمرو شمر بن حمدويه وأبو سعيد الضرير وأبو العباس ثعلب ، وقد اتصل بالخليفة الواثق .

ويذكر ياقوت عن أن  محمد بن الفضل الشعراني قال  كان للناس رؤساء ،كان سفيان الثوري رأسا في الحديث، وأبو حنيفة رأسا في القياس، والكسائي رأسا في القرآن، فلم يبق الآن رأس في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي فإنه رأس في كلام العرب ، وكان ممن وسم بالتعليم فكان يأخذ كل شهر ألف درهم فينفقها على أهله وإخوانه، وتماسك في آخر أيامه بعد سوء حاله .

ويقول ثعلب : انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي ، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلًا ولا كثيراً .

وذكر محمد بن الفضل أنه أخذ علمه من أعراب من اليمامة ففاتحهم الغريب ففتقوا له ، وكان علمه الذي حصل في نحو من شهر ، وفي رواية أخرى مخالفة لهذه الرواية يذكرها أحمد بن عمران أن أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع بعث غلامه  إلى ابن الأعرابي صاحب الغريب يسأله المجيء إليه ، فقال لغلامه  عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي منهم أتيت ، قال الغلام  وما رأيت عنده أحد لا أن بين يديه كتبا ينظر فيها ، فلما أتاهم سأله أبو أيوب عن ذلك واخبره بما قال الغلام ، فقال

لنا جلساء ما نمل حديثهم

 

 ألباء مأمونون غيبا ومشهدا

يفيدوننا من علمهم مثل ما مضى

 

 وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا

بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة

 

 ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا

فإن قلت أموات فما أنت كاذب

 

 وإن قلت أحياء فلست مفندا

قال ثعلب  شاهدت مجلس ابن الأعرابي وكان يحضره زهاء مائة إنسان ، وكان يسأل ويقرأ عليه فيجيب من غير كتاب ، وقال  ولزمته بضع عشر سنوات ( في رواية 19 سنة ) ما رأيت بيده كتابًا قط ، وقال ثعلب أيضًا  قد أملى على الناس ما يحمل على أجمال ، لم ير أحد في علم الشعر أغزر منه ، وقال ثعلب  انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي .

وقال ثعلب : سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي : سمعت كم ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي .

وكان ابن الأعرابي يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرًا  ، وذكر أبو حاتم وهو بصري  أن الأصمعي يأتي سعيد بن سلم وابن الأعرابي مؤدب ولده ، فيفارق المجلس ، ويسأله سعيد بن سلم الإملاء على ولده فيفعل ، فإذا زال الأصمعي خرج ابن الأعرابي فيقول  اعرضوا علي ما أفادكم الباهلي ، قال ثم يكتبه .  وله خبر مع المأمون ومعه يحيى بن أكثم وقد أثنى عليه المأمون وامتدح أدبه .

وقال محمد بن الفضل بن سعيد بن سلم  حدثنى أبى قال  كان ابن الأعرابى يؤدبنا أيام أبى سعيد بن سلم ، فكان الأصمعى يأتينا مواصلا، فيناظره ابن الأعرابى، فيرتجل  ذلك. وكان أعلم بالإعراب منه، وكان الأصمعى يفتر فيه ويغريه بالشعر ويسلكه مسلكه في جهة المعانى؛ فإذا وقع هذا الباب وبرىء من الإعراب التهمه فلم يغترف من بحره.

في حين ينفي أبو الطيب اللغوي تلك المناظرات التي تروى عن ابن الإعرابي والأصمعي ويقول : ( وحدّثت عن آخر أنه روى مناظرة جرت بين ابن الأعرابي والأصمعي، وهما ما اجتمعا قط ، وابن الأعرابي بإزاء غلمان الأصمعي، وإنما كان يرد عليه بعده؛ وحريّ بمن عمي عن معرفة قوم أن يكون عن علومهم أعمى وأضلّ سبيلا. ) .

مات ابن الأعرابي بسر ما رأى في سنة 231هـ ( 845 م ) ، وقيل في سنة 230هـ ، وقيل في سنة 232هـ وكان عمره 81 سنة وأربعة أشهر ، وصلى عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد .

وقال ابن الكوفي : قال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي في سنة خمس وعشرين يقول: ولدت في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة. ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وكان عمره إحدى وثمانين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام.

ومن كتبه  كتاب النوادر ( الكبير ) وقيل أنه 12 رواية وقيل 9  [ رواه عنه جماعة منهم الطوس وثعلب وغيرهم ، وذكر القفطي أنه جمعه عليه محمد بن البغداذي ورواه عنه وهو كتاب حسن ، وذكر الزركلي أنه مخطوط ، وقد طبع الكتاب ] ، وكتاب الأنواء ( ذكر الزركلي أنه رسالة ) ، وكتاب صفة النخل ، وكتاب صفة الزرع ( عن السيوطي  صفة الدرع )  ، وكتاب النبات ، وكتاب الخيل ، وكتاب تاريخ القبائل ( عند ابن النديم والسيوطي  مدح القبائل ) ، وكتاب معاني الشعر ، وكتاب تنسيق الأمثال ( أو تفسير القبائل في نسخة دار المعرفة لكتاب الفهرست ، و تفسير الأمثال عن القفطي ) ، وكتاب الألفاظ ، وكتاب نسب الخيل ، وكتاب نوادر الزبيريين ، وكتاب نوادر بني فقعس ، وكتاب الديات ، وكتاب الذباب ذكر ابن النديم أنه رآه بخط السكري .

 ويضيف السيوطي كتاب النبت والبقل . ويذكر الزركلي من تصانيفه أسماء الخيل وفرسانها ذكر انه مخطوط ولعله كتاب الخيل عند القفطي ، وكتاب شعر الاخطل ذكر أنه مخطوط ، ورسالة البئر ( مطبوع ) ، وكتاب الفاضل ذكر أنها رسالة مطبوعة في الأدب ، وكتاب أبيات المعاني مخطوط ( ولعله كتاب معاني الشعر  ) ([1]).



([1]) الفهرست ، ص 109 . وانظر : الزبيدي ، طبقات النحويين واللغويين ، ص 197 . وانظر : تاريخ بغداد ، ج 2 ص 354-357 . وانظر : معجم الأدباء ، ج 6 ص 2531 . أنظر : إنباه الرواة على أنباه النحاة ، ج 3 ص 128-133 . وانظر : السيوطي : بغية الوعاة ، ج 1 ص 105 ، 106 . وانظر : أبو الطيب اللغوي ، مراتب النحوييين ، ص 18 ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ،  المكتبة العصرية ، 1430هـ .

الاثنين، 10 أغسطس 2020

جبل الملائكة ( معالم من بدر )

 

جبل الملائكة

لا يرد في السيرة النبوية أي حديث يتناول مسألة ما يعرف بجبل الملائكة ، وما يرد في السيرة النبوية أن الملائكة نزلت على شعب ، ففي المغازي : ( وكان أبو أسيد الساعدي يحدث بعد أن ذهب بصره قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب- وهو الملص الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أمتري. فكان يحدث عن رجل من بني غفار حدثه، قال: أقبلت وابن عم لي يوم بدر حتى صعدنا على جبل، ونحن مشركان، ونحن على إحدى عجمتي بدر- العجمة الشامية، العجمة من رمل- ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة فننتهب مع من ينتهب، إذ رأيت سحابة دنت منا، فسمعت فيها حمحمة الخيل وقعقعة اللجم والحديد، وسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم! فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فكدت أهلك، فتماسكت وأتبعت البصر حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ثم رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع. ) ([1]) ، فهذا النص يوضح أن الشعب هو الملص وأن الرجلين من غفار كانا قد صعدا كثيب الحنان.

ويقول ابن هشام : ( قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرا، قال، بعد أن ذهب بصره : لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى. ) ([2]).

ويقول الواقدي : ( قال: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن جدة عبيد ابن أبي عبيد، عن أبي رهم الغفاري، عن ابن عم له، قال: بينما أنا وابن عم لي على ماء بدر، فلما رأينا قلة من مع محمد وكثرة قريش، قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه، فانطلقنا نحو المجنبة اليسرى من أصحاب محمد، ونحن نقول: هولاء ربع قريش! فبينما نحن نمشي في المسيرة، إذ جاءت سحابة فغشيتنا، فرفعنا أبصارنا إليها فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم! وسمعناهم يقولون: رويدا، تتام أخراكم! فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جاءت أخرى مثل تلك، وكانت مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم، فنظرنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فإذا هم الضعف على قريش، فمات ابن عمي، وأما أنا فتماسكت وأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأسلم وحسن إسلامه. ) ([3]) .

 أما ما سمي جبل الملائكة فهي تسمي ترد في بعض المعاجم والرحلات كما تعرف أيضًا في الروايات المحلية ، فيذكرون أن الملائكة نزلت منه أو بجواره لكي تنصر المسلمين في غزوة بدر ، وتختلف الآراء في تحديد هذا الجبل :-

1-  فالبعض من أهل بدر  يذكر أن الجبل هو جبل منصور والذي يقع في غرب بدر  ([4])  ، وهذا الرأي كان منتشر قديمًا على ما يبدو ، وقد أطلعت على خريطة قديمة وضعت في سنة 1396هـ تذكر أن هذا الجبل وما يجاوره (جبل الأصفر ) هو جبل الملائكة .

2-  بينما يذكر البعض في روايات حديثه أن الجبل هو جبل البرقاء ( أبرق الحنان ) ، ويؤكد هذا الرأي وصف ابن جبير لجبل الملائكة في رحلته ، كما أن حديث الصحابي أبو أسيد الساعدي والرجل الغفاري ترشح هذا الجبل  .

3-  في حين تذكر مصادر أخرى أنه الجبل الصخري الذي يقع في غرب جنوب أبرق الحنان ( البرقاء ) وهو الجبل الذي يعرف بالمرقاب ، وهذا أضعف احتمال عندي ولكن سمعنا به من البعض ولا أجد ما يعضده أو يؤكده . 

والرواية التي تذكر أن ( جبل الملائكة ) هو ( أبرق الحنان = البرقاء ) تذكرها بعض المصادر الحديثة عن روايات من أهل بدر ، فيذكر الشيخ محمد عبده يماني أن بين الحنان وبين الجبل الأصفر ممر يتجه نحو الغرب في اتجاه الشاطئ ويسمى " الملص " وقيل أنه ربما الممر الذي هرب منه أبو سفيان وملص في إتجاه الساحل ، وقيل أنه الطريق الذي جاءت منه الملائكة ([5]) .

 ويذكر الدكتور تنضيب الفايدي أن جبل الرحمة أو جبل الملائكة أو جبل الملص يقع في غرب كثيب الحنان وهو ملاصق للكثيب ويفصله عن الكثيب خط السير الجديد الذي يدخل مدينة بدر من الجهة الشمالية الغربية وهو تل من الصخور تكسوه الرمال في معظم أجزائه وهو مساو للحنان في الارتفاع ، ويطلق عليه أهل بدر أحيانا جبل المليص ([6]) ، ويقصد بهذا النص (أبرق الحنان = البرقاء  ) ، على الرغم من ان الدكتور تنيضب وفي الصورة التي يضعها في الكتب يحدد جبل الملائكة بالجبال المتصلة بجبل الأصفر وعلى العموم فهو يذكر أن هذا ما يذكره العامة ([7]) .

أما ابن جبير فيقول : ( وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول وهو شبيه كثيب ) ، وأغلب الظن أن ابن جبير يقصد بجبل الملائكة هنا هو ( أبرق الحنان ) أو ما يعرف لدى بدر بـ ( البرقاء ) حيث ان جبل الطبول هو الحنان ( دف علي ) ، وإن كان وقوله ( شبيه كثيب ) قد يعود إلى جبل الملائكة فأبرق الحنان هو شبيه للكثيب ، إلا أن أغلب الرحلات تؤكد أن جبل الطبول هو كثيب الحنان أو دف علي  .

وفي كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات لأبي الحسن الهروي ( ت 611هـ ) ما يدل على أن جبل الملائكة هو جبل الطبول : ( جبل الملائكة : يقال أن الملائكة أرسلهم الله عز وجل لنصرة النبي يوم بدر من تلك الجهة ، ويقال : إن صوت الطبل يسمع من ذلك الجبل إلى اليوم ، والله أعلم ) ([8])  ، فهل المقصود هنا بجبل الملائكة هو كثيب الحنان ( دف علي ) ، إن هذا النص يعتبر أن جبل الملائكة يصدر منه صوت الطبل أي أنه قد يكون جبل الطبول ، وبعض أهل بدر يذكر أن أصوات الطبول تصدر من جبل بدر الغربية ، وكذلك من دف علي والبرقاء .

بينما يقول الزمخشري ( ت 537هـ )  : ( وجبل الملائكة وهو الجبل الذي نزلت فيه الملائكة وفيه مسجد، وهو قبالة الأصفر من شرقيه ) ([9]) ، فهذا النص يذكر أن الجبل يقع في شرق الأصفر والأصفر جبل لا زال معروف بهذا الاسم ، وهذا النص قد يشير إلى الجبال الغربية المجاورة إلى جبل الأصفر لولا أن يذكر أنه قبالة الأصفر أي في مواجهته ، وينطبق هذا على أبرق الحنان الذي يقابل الأصفر من جهة الشمال الشرقي بالإضافة أن الزمخشري يشير إلى مسجد بجوار جبل الملائكة ، وبعض كتب الرحالة تتحدث عن مسجد يقع بجوار البرقاء والحنان مما قد يرجح أن المقصود بجبل الملائكة هو جبل الأصفر.

 كما أن نص الزمخشري قد يدل على أن الجبل هو المقصود به الرضمة الجنوبية ، وهذا الجبل قريب إلى أرض المعركة من أي جبل أخر من جبال بدر وهو تقريبًا في شرق جنوب جبل الأصفر ، وكان بالإمكان ترجيح هذا الجبل ( جبل الرضمة الجنوبية ) على وصف الزمخشري لولا أنه لم يعرف هذا الجبل بأنه جبل الملائكة ، كما أن ذكر المسجد في نص الزمخشري قد يشير إلى المسجد المزعوم للعريش والذي يتصل بسفح جبل الطبول والذي يذكر ابن جبير في رحلته وبعد حديثه عن جبل الرحمة ، يقول ابن جبير : ( وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها الى الصفراء، وبإزائه جبل الطبول، وهو شبيه كثيب رمل ممتد.) ، فهذا الوصف ينطبق على أبرق الحنان .

 يقول ابن جبير ( ت 614هـ ) : ( عريش النبي صلى الله عليه وسلم يتصل بسفح جبل الطبول المذكور ) ، وقد تحدثت بعض كتب الرحلات عن مشهد مدور عند جبل الطبول  يقول صاحب الرحلة الناصرية : ( وبآخر المضيق وأنت داخل إلى بدر في أصل جبل الطبول مشاهد مدور عليها بأحجار ، يزعمون أنها قبور الشهداء ، وبعضهم يقول : محل العريش ، فزرنا ذلك بالنية ) ، وإن كان صاحب الرحلة يقول ( وإن كان التحقيق أن قبور الشهداء بسفح الجبل قرب القرية ) ، وقد قال العياشي من قبله : ( وفي أخر المضيق بين الرمل والجبل عريش إلى الآن ، يزعم الناس أنه موضع العريش الذي بُني للنبي، صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر ، وأن  ذلك موضع الوقعة وليس به ) ومثله يتحدث الهشتكي عن هذا المشهد أو العريش قائلًا : ( تنبيه : إعلم أن قبور الشهداء أسفل الوادي من جهة البزوة . وليس الذي تزعمه العوام تحت الكثيب على طريق القادم من مصر ، بل ما زعموا إفك من القول وزور ، وكلام أهل الخرافات والكذب والفجور . ) ونصه هذا يظهر أنه يقصد به المشهد أو العريش الذي يرد في الرحلة الناصرية ، فهل هذا العريش هو العريش الذي يقصده ابن جبير والذي يتصل بسفح جبل الطبول ؟ إن ابن جبير يذكر مسجد (مبرك ناقة النبي ) والأغلب أن هذا المسجد هو مسجد النصر أو النُصرة لا مسجد العريش إلا إذا كان اسم مسجد العريش في ذلك الوقت مسجد مبرك ناقة النبي .

 وقد كانت رحلة ابن جبير أول الرحلات التي تتحدث عن بدر من ضمن سلسلة من الرحلات التي أتت بعده ، وكان من أقربها رحلة العبدري ، وقد حدد العبدري مسجد العريش بالمسجد الحالي الذي نعرفه الآن .

أما الشريف العياشي رحمه الله فيرى أنه إذا كان جبل الأصفر هو منزل جيش الملائكة فإن شعب الملائكة يقع في الجنوب الغربي من مقبرة الشهداء أي ان جبل الملائكة قريب من جبال بدر الغربية ، يقول وبعد ان يذكر قصة الرجلين من غفار : ( وهنا فإن الحاضرة من غفار في هذا اليوم قد علموا قلة جيش المسلمين وكثرة جيش قريش ، وعند من حضر منهم أن الدائرة ستكون على القلة دون شك ، وكل الجبال قد أبعدت عن موضع المسلمين إلا الجبل الأصفر وشعبه الذي يلي الجنوب الغربي ، وهو إلى خلف المسلمين من غربي مسجد العريش ، فإذا كان الجبل الأصفر هو منزل الجيش الملائكة وهم اول ما ينزلون يمرون أول ما يمرون على العريش ، ثم على مواقع جيش المسلمين على الترتيب ، وبير الجبل الأصفر وما إليه من الجبيلات من الجنوب الشرقي منه شعب ينحدر منها سيل الخشب في معظمه وإليه مدفن الشهداء فيكون مرور الجيش الملائكي مما يلي قبرو الشهداء على ما أذهب إليه .

وهذا الشعب هو الذي أورد فيه ابن إسحاق فيما رواه ابن سيد الناس وابن هشام وغيرهما خبر أبي أسيد الساعدي بعد ان ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي منه خرجت الملائكة اهـ . هذا الشعب هو الجنوب الغربي من المقبرة  ) ([10]) ، والعياشي يرى أن شعب الملائكة يقع بين جبلي المرقاب وجبل الأصفر أي أنه يتفق مع الرواية القديمة عند أهل بدر من جبل الملائكة هو بجوار جبل الأصفر.

ويذكر الوالد مفرج السيد رحمه الله في بحثه عن مآثر بدر أن جبل الملائكة هو ما يعرف بجبل منصور ، يقول : ( يسمى العامة جبل منصور وهو الذي يقع في غرب بدر بجانب الأصفر وأبي قراضي بجبل الملائكة ، ويذكرون أن الملائكة في غزوة بدر نزلت به .) ([11]) ، وقد سبق أن اطلعت على خريطة قديمة لبدر تحدد جبل الأصفر والجبال المجاورة له على أنها هي جبل الملائكة .

ومن كل هذا  يتضح مقدار الاضطراب بل والتناقض الذي يحدث عند جمعنا للكثير من الروايات التي توردها بعض المصادر عن بعض المعالم المعروفة في السيرة النبوية أو في المعالم الجغرافية كما أن وصف بعض المعالم مشوش وغير واضح .



خريطة الشريف إبراهيم العياشي


خريطة شبه مطابقة للخريطة القديمة عن غزوة بدر

صورة من كتاب بدر التاريخ الغزوة المحافظة للدكتور تنيضب الفايدي




([1]) مغازي الواقدي ، ج 1 ص 76 .

([2]) سيرة ابن هشام ، ج1 ص 633 .

([3]) مغازي الواقدي ، ج 1 ص 77 .

([4]) أنظر : رواية مفرج السيد ، وانظر كذلك : تنيضب الفايدي ، بدر .. التاريخ .. الغزوة .. المحافظة ، ص 350 .

([5]) محمد عبده يماني ، بدر الكبرى .. المدينة والغزوة ، ص 119 ، الحاشية ( 1 ) .

([6]) تنيضب الفايدي ، بدر .. التاريخ .. الغزوة .. المحافظة ، ص 21 .

([7]) تنيضب الفايدي ، بدر .. التاريخ .. الغزوة .. المحافظة ، ص 350 .

([8])  أبو الحسن الهروي ،الإشارات في معرفة الزيارات ، ص 78  . ط1 ( القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية ، 1423هـ ) .

([9]) الزمخشري ، الجبال والأمكنة والمياه ، ( القاهرة ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع ، 1419هـ / 1999م ) ، ص 185 .

([10]) الشريف إبراهيم العياشي ، غزوة بدر الكبرى ، ص 127 .

([11]) من أوراق للوالد بعنوان ( مآثر بدر )  .

الثلاثاء، 4 أغسطس 2020

صمد ابن شرهان ، من معالم بدر

صمد ابن شرهان


يقول راعي الخبيتي :

يا منقرف الفصفص على صمد شرهان

لا تنقرفه يا سيد يخرب ثناياك

وبعضهم يقول في الشطر الأول :

يا منقرق الفصفص على صمد أبو قبور

والصمد الأرض المرتفعة عن الوادي التي بها أحجار غير ثابتة .

وصمد ابن شرهان معدن قديم لا زالت أثاره باقية ، وهو خلف جبل أبو ضباع ( تحت صفح جبل أبي ضباع ) من جبال بدر الغربية ولذلك فالمعدن أيضًا يعرف بمعدن جبل أبي ضباع .

قال الوالدي مفرج السيد في مادة ( معدن جبل أبي ضياع ) من بحثه عن مآثر بدر : ( يقع هذا المعدن شرق حارة السرحه من صبح بالغزلاني، وهناك بالقرب من هذا المعدن صمد يسمى صمد إبن شرهان وبه بقايا من الحجر الذي كان يسخن بأفران هذا المعدن، وهو على أشكال مختلفة كان يقول الأقدمون بأنهم كانوا أناساً سخط الله عليهم فمسخهم حجاراً، وهذه أسطورة كغيرها من الأساطير القديمة، وهو كما ذكرنا بقايا أحجار مصهوره ومستخرج منها الذهب أو الفضة.

ويقول صاحب الخبيتي:

يمنقرف الفصفص على صمد شرهان

لتنقرفه يا سيد يخرب ثناياك

ولعل هذا الصمد المستخرجه حجارته من المعدن سمي بهذا الإسم نسبه لصاحب المعدن شرهان الذي ورثه إبنه، أو أن مغني الخبيتي حذف كلمة " أبو " ليستقيم له الغناء. ) .

ويقول في بحث عن عين حنين : ( وكان بصمد ابن شرهان وهو صمد بقرب جبال بدر الغربية بالمنطقة المعروفة الآن بالغزلاني أحجار يخيل لمن ينظر إليها أنها تماثيل أوادم، فكنوا يقولون: إن هؤلاء أناس خلابهم (أي مسخوا حجرًا ) ، ولكن اتضح أن هذه التماثيل هي أحجار تحولت إلى هذه الأشكال نتيجة لصهرها واستخراج الذهب منها في أفران التعدين المعمولة هناك ولا هنا مسخ ولا تشويه. ) .

ومن العجيب أننا لا نعلم الكثير عن هذا المعدن ولا على موقعه ، ولكننا نتساءل إن كان لهذا المعدن علاقة بذلك المكون العجيب المحير والذي يشاهد عبر تطبيقات الخرائط ، والذي نراه في جبال بدر الغربية بجوار جبل الأصفر وجبل أبو ضباع ! ، هل ذلك المكون التي تظهره تلك التطبيقات هو المقصود بمعدن جبل أبي ضباع ؟   



السبت، 1 أغسطس 2020

كتب محمد بن زكريا الغلابي - معجم الكتب

كتب محمد بن زكريا الغلابي 

من تأليف أبو عبد الله محمد بن زكريا بن دينار الغلابي الضبي من أهل البصر ،  أحد الرواة للسير والأحداث والمغازي ، وصفه ابن النديم بأنه ثقة صادق ، وذكر الذهبي أنه في عداد الضعفاء وإن كان ابن حبان عده من الثقات .

ويقول القفطي [ ومثله ياقوت الحموي ] : ( قال [ ابن منده ] : وسمعته [ أبو نصر النحوي ] يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت أبا محمد بن أبى اليسار يقول: أبو أحمد العسكرىّ يكذب على الصّولىّ  مثل ما كان الصولىّ يكذب على الغلابىّ ؛ مثل ما كان الغلابىّ يكذب على سائر الناس. ) .

 روى عن عبد الله بن رجاء الغداني وبكار بن محمد السيريني والعباس بن بكار ويعقوب بن جعفر بن سليمان العباسي الأمير وأبي الوليد الطيالسي وشعيب بن واقد وأبي زيد الأنصار النحوي ، وروى عنه : هلال بن محمد ومهدي بن إبراهيم بن فهد وأبو القاسم الطبراني .

 وقد ذكر الذهبي أن وفاته في شوال سنة تسعين ( 290هـ ) ، أما الزركلي فقد حدد وفاته في سنة 298هـ ( 910م ) ، وقد ترجم له العسقلاني في لسان الميزان وأورد بعض رواياته ونقل قول أبو عبد الله بن مندة : ( حدث الغلابي عن أبي زيد الأنصاري ، صاحب أخبار تكلم فيه توفي بالبصرة بعد سنة ثمانين ومئتين وسمي ابن منده جده دينارًا ) .

وله من الكتب : كتاب مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ، كتاب وقعة صفين ، كتاب الجمل ، كتاب الحرة ، كتاب مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، كتاب التوابين وعين الوردة ، وكتاب الأجواد ، كتاب المبخلين ، وذكر الزركلي من كتبه كتاب أخبار فاطمة ومنشأها ومولدها  ([1]).



([1]) الفهرست ، ص 173 ، 174 ، دار الكتب العلمية . وانظر : لسان الميزان ، ج 7 ص 139 . وانظر : الذهبي ، تاريخ الإسلام ، ج 6 ص 803 . وانظر : القفطي ، إنباه الرواة على أنباه النحاة ، ج 3 ص 169 . وانظر : معجم البلدان ، ج 1 ص 540. وانظر : الصفدي ، الوافي بالوفيات ، ج 3 ص 63 . وانظر : الأعلام للرزكلي ، ج 6 ص 130.


الجمعة، 24 يوليو 2020

معالم من بدر ( مسجد العريش )


العريش ( مسجد العريش ، مسجد الغمامة  )
العريش هو المسجد الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ، ويعرف هذا المسجد باسم أخر وهو مسجد الغمام ، ومسجد الغمام لا يرد في كتب السيرة النبوية وإنما يرد في الكتب المتأخرة وقد غلب اسم مسجد الغمام على مسمى مسجد العريش في معظم الرحلات ويظهر أنه وحتى وقت قريب كان شهرة هذا المسجد بمسجد الغمام غالبة على تسميته بمسجد العريش .
وقد ورد ذكر هذا المسجد باسم مسجد العريش في كتب السيرة النبوية ففي مغازي الواقدي أن سعد بن معاذ قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ( نبني لك عريشا فتكون فيه ونعد لك رواحلك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا.) ([1]) ، وقال الواقدي : ( لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب بني له عريش من جريد، فقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشح السيف، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر. ) ([2]) .
وقد ذكره السمهودي من ضمن أسماء مساجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( كان العريش الذي بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عنده ، وهذا المسجد معروف اليوم بقرب بطن الوادي بين النخيل ، والعين قريبة منه ) ([3]).
بينما لم يرد نص حسب علمي يؤيد تلك الرواية التي تزعم أن سبب تسمية هذا المسجد بمسجد الغمام ( أن مسجد الغمامة هو موضع الأريكة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا عليها يشرف على القتال والغمامة مظللة عليه ) .
وتذكر بعض الروايات أن مسجد العريش قد بني على تلة ، يقول صاحب السيرة الحلبية : ( ثم بني أي ذلك العريش «لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي فوق تل مشرف على المعركة كان فيه» ) ([4]) . 
ويذكر العياشي في بناء العريش : ( أن العريش يقام غالبًا من جريد النخيل وأعواد الطرفاء أو فروع وأغصان الشجر وهذا ما يؤيد أن البقعة كانت مشجورة وفيها بعض نخل الصوران أن لم تكن هناك نخيل تسقى فعلا من بئر العطن أو العطين ، ومن هذه أقيم العريش ، وعندي أن العريش كان مسقوفًا ليقيه المطر وحرارة الشمس كما أنه ليس بالكبير اللهم ألا أن يسعه وبعض صحبه ، ولعل عائشة رضي الله عنها كانت معه ) ([5]).
ويظهر بعض الباحثين وغيرهم الشكوك حول صحة موقع مسجد العريش الحالي وهل هو الموضع الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذه عريشًا ، ومما يزيد من تلك الشكوك أن بعض الرحلات تتحدث عن أن موضع العريش بجوار سفح الطبول ( دف علي ) أو بجوار مقبرة الشهداء ، وإن كان بعضهم ينفي صحة هذه الروايات ويؤكد أن موضع العريش هو الموضع المعروف لدينا الآن والذي يقع فيه مسجد العريش .
والحقيقة أن المتأمل والمدقق لأحداث غزوة بدر وما جرى فيها من مسير المسلمين نحو بدر وسيطرتهم على المياه [ وفرة المياه تقع بجوار مسجد العريش ] ، ثم تمركز كفار قريش بالعدوة اليمانية من وادي يليل في مقابل المسلمين بالعدوة الشامية ومواجهة كفار قريش للشمس ، يجعلنا نرجح أن موضع مسجد العريش الحالي هو الموضع الذي بني فيه العريش للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر فإن لم يكن هو فهو مقارب له ، كما ان وصف العريش بأنه على تلة يتطابق مع ما نراه الآن من ارتفاع مسجد العريش على ما يجاوره وإن كنا لا زلنا نعتقد أن طبيعة ومظاهر السطح في بدر حدث فيها الكثير من التغير وخاصة في أرض المعركة . 
ومما يزيد على صحة موضع مسجد العريش الحالي أن بناء مسجد العريش قديم جدًا ، وأن بدر بلدة كانت عامرة بالسكان منذ ظهور الدولة الإسلامية وكانت محل اهتمام الحكام والولاة منذ عهد الخلفاء الراشدين وبني أمية والعباسيين من بعدهم ، وموضع العريش الحالي معروف بالتواتر لدى أهل بدر كما يعرف حي إدمان الذي احتفظ باسمه منذ العصر الأموي ، وكما يعرف أهل بدر أن دف علي هو نفسه كثيب الحنان الذي ورد في السيرة ، وكما يعرف أهل بدر بالتواتر جبل كراش والملص ويليل والعقنقل وهي مواضع ترد في السيرة النبوية .
ونحن لا نعلم موضعًا أخر عرف بأنه مسجد العريش ما عدى بعض الرحلات التي تتحدث عن عريش أخر ورغم ذلك فقد نفاها هؤلاء الرحالة وأكدوا أن العريش هو هذا العريش القائم حتى تاريخنا ، وهذا الموضع لمسجد العريش يتوافق بشكل كبير مع أحداث غزوة بدر وكما تذكره السيرة النبوية كما ذكرنا من قبل ، والاعتماد على الظن فقط في نفي عدم صحة المسجد الحالي ( مسجد العريش ) ونسبته للعريش الذي أقيم للرسول صلى الله عليه وسلم يفتح بابًا للطعن دون حجة أو بينة لكل موقع يرد في السيرة النبوية معروف موضعه بالتواتر والشهرة حتى تاريخنا ، وهناك العشرات من تلك والمواقع التي وردت في السيرة النبوية والتي يعرف الباحثون وغيرهم تحديد موقعها ، ومنها الكثير من المساجد التي بنيت في أماكن صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم فالطعن فيها من غير دليل أو بينة يتعارض مع النهج العلمي .
وقد تناولت الكتب القديمة حديثه عن مساجد بدر ومنها مسجد العريش ، يقول المقدسي وفي حديثه عن بدر ( وموضع الوقعة ومساجد بناها ملوك مصر ) مما يدل على أن العريش ربما كان قد بني على يد ملوك مصر في عصر المقدسي ، وتذكر بعض الروايات أن العريش بني بأمر أبو بكر الصديق ففي الرحلة الناصرية الكبرى [ في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ] : ( وأول من بنى هذا المسجد على ما قيل : أبو بكر الصديق ، ثم بُني بعده مرارا وآخر من بناه بعض ملوك مصر ) وحديث صاحب الرحلة الناصرية عن بناء بعض ملوك مصر للعريش يؤيد الرواية التي ذكرها المقدسي غير أن هذه الرواية تضيف أن المسجد كان قد بني من خلافة أبو بكر الصديق وتم إعادة بناءه مرارًا من ملوك مصر . 
ويظهر أن تجديد المسجد قد تم في سنة 1031هـ وذلك حسب النقش الذي كان مثبتًا في مسجد العريش .
ويذكر الأستاذ عبد الله عطية الله الشريف في بحثه الممتع عن ( راعي بدر الشريف عاتق بن نامي ) ، يذكر ان مسجد العريش جدد بنائه الشريف حسين بن علي ملك الحجاز إلا أنه لم يكتمل فأكمل بنائه الشريف محمد سالم بن نامي ، يقول الأستاذ عبد الله عطية الله الشريف : ( كان مسجد العريش جدد بنائه الشريف حسين بن علي ملك الحجاز سابقًا إلا أن الأقدار شأت أن يرحل الحسين من الحجاز قبل اكتمال بنائه وأكمل بنائه الشريف محمد سالم بن نامي وبعد عدة سنوات وفي زمن الملك سعود قام معالي السيد حسن شربتلي أكبر رجال الأعمال في المملكة بهدم المسجد لإعادة بنائه وعند أحد زيارته رأى المسجد وأمر بعدم إكمال البناء لرغبته في مسجد على الطريق العام وبذلك عدة محاولات مع الشربتلي إلا أنه رفض إكمال المسجد وقد قام الشريف عاتق بتقديم شكوى للملك سعود ضد الشربتلي بعدها حُلت المشكلة وقام رجل الأعمال أبو الجدايل بإكمال المسجد وفي السنوات الأخيرة قامت والدة رجل الأعمال الشريف مشهور الحارثي بتجديد بنائه القائم حاليًا ) ([6]).  
وقد تم تجديد المسجد في سنة [     ] ، ثم تمت توسعة مسجد العريش من الجهتين الشرقية والغربية في ربيع الثاني من سنة 1438هـ .
وأول الرحلات التي تحدثت عن مسجد العريش رحلة ابن جبير ، يقول : ( وموضع عريش النبي صلى الله عليه وسلم يتصل بسفح جبل الطبول المذكور وموضع الوقيعة امامه وعند نخيل القليب مسجد يقال : إنه مبرك ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ) .
وهذا النص يزعم أن مسجد العريش يتصل بسفح جبل الطبول ، وقد سبق أن تحدثنا في مادة ( جبل الملائكة ) عن ما يذكره العياشي والهشتكي وصاحب الرحلة الناصرية الكبرى من زعم البعض أن مسجد العريش أو مشهد الشهداء يقع بجوار جبل الطبول أو الكثيب ، ونفيهم لهذا الأمر ، وقد أجمعت الرحلات اللاحقة لرحلة ابن جبير على تحديد مسجد العريش بالمسجد المعروف لدينا الآن ، والأهم أن ما يذكره ابن جبير من أن مسجد العريش متصل بسفح جبل الطبول يتناقض أيضًا مع ما يرد في كتب السيرة النبوية في تناولها لأحداث غزوة بدر بشكل واضح فلا يمكن أن تتطابق أحداث المعركة مع موقع العريش المزعوم بجوار ( أبرق الحنان ) .
وقد ذكر ابن جبير  أن بجوار نخيل القليب مسجد يقال له ( مبرك الناقة ) فهل يقصد ابن جبير بهذا المسجد ( مبرك الناقة ) المسجد الحالي والذي يعرف بمسجد العريش  ، أما يقصد ( مسجد النُصرة = مسجد النصر ) والذي يجاور مسجد العريش من جهة الجنوب والذي لا زال باقيا ( بنا طيني )  ؟
 وفي نص صاحب الرحلة الناصرية ، يقول : ( فائدة : بإزاء مسجد العريش مسجد النصر صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهناك مبرك ناقته القصوى . ) ومن النص يتضح أن مبرك الناقة هو نفسه ( مسجد النُصرة ) ، ولكن نتسأل ولماذا لم يذكر ابن جبير (مسجد العريش ) الحالي المعروف لدينا إن كان في اعتقاده أن مسجد العريش يقع أسفل جبل الطبول ( بجوار أبرق الحنان ) و ( مسجد الناقة ) هو مسجد النصرة ؟
الإجابة على هذا السؤال لا يخرج عن خمسة احتمالات هي :-
1- إن ابن جبير أخطأ في وصفه لتحديد موضع ( مسجد العريش ) فما ذكره عن اتصال جبل العريش بسفح جبل الطبول كان وهمًا منه ، وإن حديث المصادر الأخرى عن وجود مسجد أو مشهد في ذلك الموضع يجعلنا نرجح هذا الاحتمال ، ويظهر من نص ابن جبير لزيارته لبدر أن لم يعاين الموضع بنفسه وإنما نقل ذلك عن أحد الأعراب ، وهذا الاحتمال الأرجح بالنسبة لنا .
2- أن العريش الحالي كان يعرف وعند زيارة ابن جبير لبدر بـ ( مبرك الناقة ) ثم بني مسجد النصرة فيما بعد وعرف بهذا الاسم ( مبرك الناقة ) بينما حمل مسجد العريش هذا الاسم ( مسجد العريش ) أو ( مسجد الغمامة ) بعد ذلك وحسبما ما يرد في الرحلات التالية لرحلة ابن جبير .
3- أن مسجد العريش الحالي لم يكن موجود عند مرور ابن جبير بمدينة بدر ولم يكن هناك إلا مسجد بجوار أبرق الحنان ويعرب بـ ( مسجد العريش ) ، ومسجد النصرة الحالي ويعرف ( بمسجد الناقة ) ، وهذا يتناقض مع شهرة ( مسجد العريش ) مقارنة  بـ ( مسجد النصرة  ، انظر كمثال حديث السمهودي عن المسجدين ) في الرحلات السابقة ويتناقض أيضًا مع كل النصوص التي توردها الرحلات في حديثها عن مسجد العرش ومسجد النصرة المجاور له .
4- إنه وقع هناك سقط أو خطأ في رحلة ابن جبير وخاصة في حديث الرحلة عن موضع بدر .
5- أن يكن بالفعل مسجد العريش هو نفسه الذي ذكره ابن جبير وأن المقصود بجبل الطبول هو الجبال الغربية ، وهذا احتمال وإن كان مسجد العريش يبعد مسافة عن جبال بدر الغربية ولا يمكن أن يوصف بأنه يتصل بسفح جبل الطبول .
ومع الأسف فإني لم نجد نص سابق أو معاصر لرحلة ابن جبير يتحدث عن بدر ومسجد العريش ليوضح لنا هذا الإبهام الذي نراه في رحلة ابن جبير مقارنة بما رأينه في رحلات أخرى من تحديد موضع مسجد العريش كما نعرفه في زماننا هذا .
وعلى العموم فقد ورد ذكر مسجد العريش في رحلة العبدري ( ت 700هـ ) كما ورد في رحلة الجزيري ( ت 977هـ ) وسماه مسجد الغمام وذكر أن مسجد الغمامة هو موضع الأريكة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا عليها يشرف على القتال والغمامة مظللة عليه ، ونقل عن السيد السمهودي أنه هو العريش الذي بني للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر وذكر أنه بقرب بطن الوادي بين النخيل والعين قريبة منه وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر مسجد النصر ( النصرة ) .
وقد ذكره النهروالي ( ت 990هـ ) شبيه لهذا فذكر أن بين النخيل مسجد يقال له الغمام به منبر يصلى فيه الجمعة ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلله الغمام فيه وذكر أنه هو مسجد العريش وبقربه مسجد آخر يقال له مسجد النصر وهو متهدم اليوم [ أغلب الظن أنه يقصد مسجد النصرة ] .
وورد مسجد العريش في رحلة الهشتكي ( ت 1096هـ ) ، بينما يشير العياشي ( ت 1090هـ ) أنه في أخر المضيق بين الرمل والجبل ( دف علي والبرقاء أو الحنان وأبرق الحنان ) عريش إلى الآن ويزعم الناس أنه موضع العريش الذي بني للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأن ذلك موضع الوقعة وليس به كما يذكر العياشي ، وذكر العياشي في موضع أخر أنه زار مسجد الغمامة وهو موضع العريش يوم بدر كما نص عليه غير واحد كما يذكر العياشي ، كما ذكر بأنه زار قبور الشهداء وموضع العريش .
كما صرح ابن الطيب ( ت 1171هـ ) بأنه زار المسجد النبوي الذي هنالك ( بدر ) الموسوم بمسجد العريش ومسجد الغمامة وسقى الناس ما احتاجوا إليه من ذلك الماء العذب الزلال الذي لا نظير له في تلك التلال . وزار المسجد أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي ( تاريخ الرحلة : 1121 ، 1122 هـ ) وصلى فيه
كما ورد مسجد العريش في الرحلة الناصرية الكبرى ( 1196هـ ) وذكر أن ببدر مسجد العريش والغمام وموضع حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، ويذكر في موضع أخر : وبآخر المضيق وأنت داخل إلى بدر في أصل جبل الطبول مشاهد مدور عليها أحجار يزعمون أنها قبور الشهداء ، وبعضهم يقول محل العريش ، وهذا يذكرنا بما قاله العياشي السابق ويذكرنا أيضا بما يذكر الزمخشري عن جبل الملائكة .
ويذكر صاحب الرحلة الناصرية أن مسجد الغمامة وهو العريش في وسط القرية وهو صغير تقام فيه الخطبة وإمامه شريف رديني ومرتبه قسطا من التمر إعانة من أهل القرية ، وعلى باب المسجد عين عظيمة عذبة مع سخونة تبرد إن جعلت في قربه ، وذكر أن بإزاء العريش مسجد النصر صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهناك مبرك ناقته القصوى .
وقد زعم صاحب الرحلة الحامدية أن موضع العريش في الشهداء ، يقول في رحلته وبعد حديثه عن زيارته للشهداء : ( وبأعلى تلك الصخرة مصلى وفي وسطها صخرة أخرى صغيرة غائصة ويقال إن هذه المصلى كانت عريشاً للنبي صلى الله عليه وسلم .)  .

العريش في كتب الرحلات

وقد تناولت بعض الرحلات الحديث عن مسجد العريش او مسجد الغمامة :-

رحلة العبدري

وقد وصف العبدري ( ت 700هـ ) هذا المسجد فقال : ( وبه مسجد مختصر مليح ، ذكروا أنه بني في موضع العريش الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر . )

رحلة الجزيري

ويذكر الجزيري أنه يسمى مسجد الغمام وأنه قيل انه مكان العريش الذي بني للرسول صلى الله عليه وسلم وقيل أنه حوض النبي يوم الغزوة ، يقول الجزيري : ( ويبدو مسجد الغمامة وهو موضع الأريكة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً عليها يشرف على القتال والغمامة مظللة عليه . وقال السيد في " تاريخ المدينة " : إنه كان العريش الذي بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عنده ، وهو بقرب بطن الوادي بين النخيل ، والعين قريبة منه ، وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر مسجد النصر . وقيل : إن المسجد موضع حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الغزوة في شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة ، وخلفه مغرباً عنه قبور الشهداء من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسيأتي ذلك مشروحاً .) .

رحلة النهروالي

ويسميه النهروالي مسجد الغمام وهو مسجد العريش ، ويذكر النهروالي ان له منبر يصلى فيه الجمعة ، يقول النهروالي : ( وبين النخيل مسجد يقال له الآن مسجد الغمام ، به منبر  يصلى فيه الجمعة يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلله الغمام فيه ، وهو مسجد العريش المذكور وبقربه مسجد آخر ، يقال له مسجد النصر ، وهو متهدم اليوم ، يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف به عند انتصاره على كفار بدر . ) .

رحالة العياشي

ويقول العياشي: ( وزرنا المسجد المسمى بمسجد الغمامة ، وهو موضع العريش يوم الوقعة ببدر ، كما نص عليه غير واحد .) ، ويقول : ( وبها مسجد العريش ، وقيل مسجد الغمام وموضع حوض المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ومحل النصرة لجيوش الإسلام على أهل الأنصاب والأزلام ) ، والعياشي يشير إلى العريش الذي بجوار كثيب الحنان وأبرق الحنان يقول : ( وفي أخر المضيق بين الرمل والجبل عريش إلى الآن ، يزعم الناس أنه موضع العريش الذي بُني للنبي، صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر ، وأن  ذلك موضع الوقعة وليس به . ).

الرحلة الناصرية ( أحمد الدرعي )

ويقول صاحب الرحلة الناصرية : ( وزرنا أيضا المسجد المسمى بمسجد الغمامة وهو موضع العريش يوم الوقعة ببدر ، كما نص عليه غير واحد . وانشرحت صدورنا " بذلك ، ووجدنا به المصري ونزل عليه السامي سحرا . وأخذ المصري ساعتئذ في الرحيل ، وحثوا ركابهم بالرسيم والذميل . وظعنا نحن عد صلاة الظهر ، ومررنا على قبور الشهداء ، وموضع العريش مع الأخ سيدي محمد الأخصاصي وجدناه هناك ينتظرنا إذ هو مجاور بطيبة المشرفة .) ، وينقل عن البكري قوله : ( ثم دخلنا قرية بدر وحنين ، التي حماها الله من كل شيء ، وبها جسر طويل ، وعيون تجري بين حدائق ونخيل ، وبها مسجد العريش ، وقيل مسجد الغمام ، وموضع حوض المصطفى عليه السلام والسلام ومحل النصرة لجيش الإسلام على اهل الأنصاب والأزلام) .

رحلة النابلسي

ويقول النابلسي : ( وبدر هذه كثيرة الما يجري فيها الماء على وجه الأرض غير البركة التي يستقى منها الحجاج فنزلوا هناك ونصبوا الخيام وجعلت الراحة التامة في ذلك المقام وهناك محل الشهداء الذين استشهدوا في غزوة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم وهناك جامع الغمامة وهو جامع عظيم مبارك فمكثنا في ذلك المنزل مع الحجاج إلى أن صلينا صلاة العصر بالجماعة وحصل قال العبادة والطاعة ثم سرنا مع الحجاج في ذلك الطريق السهل المسمى بالقاع ) .

رحلة  ابن الطيب الفاسي

ويقول ابن الطيب الفاسي : ( وببدر مسجد الغمامة ، وهو موضع الأريكة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً عليها يشرف على القتال ، والغمامة مظللة عليه .
وقال السيد السمهودي أنه كان العريش الذي بُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عنده بقرب بطن الوادي بين النخيل ، والعين قريبه منه . وبقربه في جهة القبلة مسجداً آخر يسميه أهل بدر مسجداً لنصر .) ، ثم يقول : ( وتوجهنا لزيارة المسجد النبوي الذي هنالك الموسوم بمسجد العريش ومسجد الغمامة وسقى الناس ما احتاجوا إليه من ذلك الماء العذب الزلال الذي لا نظير له في تلك التلال )  .

الرحلة الناصرية الكبرى

ويقول صاحب الرحلة الناصرية الكبرى : ( وبها مسجد العريش والغمام ، وموضع حوض النبي صلى الله عليه وسلم وربع نصرة سيد الانام ، على عبدة الأوثان و الأصنام ، وهي الغزوة الكبرى التي شاهت بها وجوه الكفار جهدا ، فقاتلت بها ملائكة الرحمان أشد قتال لم ير مثله قط إنسان ) ، ويقول أيضًا : ( واما مسجد الغمامة وهو العريش فهو وسط القرية ، وهو صغير تقام فيه الخطبة ، وإمامه في الوقت شريف رديني ، ومرتبه أنه يأخذ في وقت جذاذ النخل قسطا من التمر إعانة من أهل القرية له . وعلى باب المسجد عين عظيمة عذبة مع سخونة تبرد  ، جعلت في نحو قربة .
وأول من بنى هذا المسجد على ما قيل : أبو بكر الصديق ، ثم بُني بعده مرارا وآخر من بناه بعض ملوك مصر ، وزاد على ما كان في العهد القديم عليه صفوفا أربعة ، ووجدت به ضريراً من اهل القرية ملازماً له ، تلوح عليه لوائح الخير يحفظ بعض القرآن ، اسمه عبد الله بن أحمد ) ، ويذكر صاحب الرحلة الناصرية المشهد المجاور لكثيب الحنان فيقول : ( قلت : وبآخر المضيق وأنت داخل إلى بدر في أصل جبل الطبول مشاهد مدور عليها بأحجار ، يزعمون أنها قبور الشهداء ، وبعضهم يقول : محل العريش ، فزرنا ذلك بالنية [ وإن كان التحقيق أن قبور الشهداء بسفح الجبل قرب القرية ، مدور عليهم بحوش من حجر مبني ] بالجير ) ، ويقول : ( فائدة : بإزاء مسجد العريش مسجد النصر صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهناك مبرك ناقته القصوى ، ومقابر الشهداء ولعله هو المنسوب اليوم لعلي ابن أبي طالب كما تقدم .) .

رحلة التامرواي

ويقول صاحب رحلة التامراوي : ( وبدر قرية كبيرة جامعة ، ذات عيون ونخيل وفيها مسجد يقال له مسجد الغمامة ، يزور فيه الناس ، وزرناه ، سمي بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أظلته الغمامة في موضعه . ) .

الرحلة الحامدية

ويقول صاحب الرحلة الحامدية : ( ثم صلينا المغرب جماعة في مسجد تلك البلدة ، ويقال له مسجد الغمامة ، وفيه حجر في أثر كف النبي صلى الله عليه وسلم . ) ، وقد ذكر صاحب هذه الرحلة أن البعض يذكر أن مسجد العريش في موضع الشهداء حاليًا ، فهو يقول بعد حديثه عن الشهداء وأسماء الصحابة : (وبأعلى تلك الصخرة مصلى وفي وسطها صخرة أخرى صغيرة غائصة ويقال إن هذه المصلى كانت عريشاً للنبي صلى الله عليه وسلم ) .

وصف الشريف إبراهيم العياشي لمسجد العريش

يقول الأستاذ الشريف إبراهيم العياشي رحمه الله : ( مسجد العريش : ويقع بين نل الشريف محمد عاتق أمير بدر أي عند العطن والعطين ، وهو على أكمة مرتفعة أدركته أول ما زرت بدرا عام ألف وثلاثمائة وأربع وسبعين هجرية مبنيًا باللبن والطين مفروشًا بالخسف المقطع ، لا نور فيه لولا نافذة صغيرة جدًا ووجدت حجرًا رخاميًا نقلت ما فيه إلا أنه ضاع حتى من ذهني ، كما ضاعت النسخة التي كتبت ، والحجر موجود عند آل الشريق عاتق على ما أعلمه ، واعتقد أن هذه اللوحة كتبت في القرن الثامن أو التاسع الهجري . أما وقد امتدت يد الدولة بتوفيق الله تعالى ومعونته ، وقامت وزارة الحج والأوقاف فنقضت هذ البناء الطيني ، وبنت جدار القبلة في محل المزال وكان البناء هذا بالأسمنت المسلح . ) ([7]). 
ويقول في موضع أخر : ( لقد زرت مسجد العريش في عام ألف وثلثمائة وسبعين هجرية وكان مبنيًا من اللبن ومنافذ الضوء قليلة وصغيرة وكان على ما أذكر صغيرًا ووجدت حجرًا مكتوبا بالحفر نسيت ما نقلت ما فيه إلا أن الحجر كما علمت موجود عند الأشراف ذوي ابن نامي ) ([8]).

وصف الوالد لمسجد العريش

ويقول والدي مفرج السيد رحمه الله  : ( سمي هذا المسجد بمسجد العريش لإن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى جعل له أصحابه عريشاً من جريد النخل وراء المعركة ، أخذ يناشد فيه ربه إنجاز وعده بالنصر ، وسمي بمسجد الغمامة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أظلته غمامة في هذا الموقع ، وكنا لا نعرف هذا المسجد إلا بمسجد الغمامة لقلة الإلمام بالتاريخ في ذلك الوقت .
 ويقع مسجد العريش في الغرب من العين القديمة ، وفي الجنوب من حارة السادة ، وفي الشرق من حارة الأشراف وشمال خيف النخل القديم .
وقد أدركنا هذا المسجد عبارة عن سبع غرف مبنيه بالطين خلف بعضها ، وهي مستطيلة تمتد من الشرق إلى الغرب ولكل غرفة مدخلان على الغرفة الأخرى ، وفي الغرفة السابعة التي هي بالجنوب منبر لخطبة الجمعة ومحراب ، وهناك كتابه على لوح من الحجر يذكر فيها أن من جدد هذا البناء هو السلطان خشقدم في عام تسعمائة ولا أتذكر الرقمين الذين وراءها .
وقد درسنا في هذا المسجد عند أحد مدرسي الكتاتيب وهو عبد المطلب بن علي الرديني في الغرفة الشمالية من هذا المسجد ، وتسمى هذه الغرف صِفَفاً جمع صُفَّه ، وكانت توجد بالمسجد بعض الصناديق بها بعض المخطوطات القديمة .
ويوجد بالشرق من هذا المسجد داخل سور له حوش به جدار من الطين في الجنوبية وبه محراب يصلي به الناس صلاة المغرب والعشاء والفجر في وقت الحر ، كما يوجد مورد للماء يأتي من العين ينزل له بدرج يتوضأ منه الناس وهو في الجهة الجنوبية من هذا الحوش .
وللمسجد في ذلك الحين بابان أحدهما في الجهة الشمالية والآخر في الجهة الغربية ، كما توجد به مئذنة في الجهة الشمالية الغربية مبنيه من العَجُّور  وهو الطوب الأحمر الصغير غير المجوف .
وقد هدم هذا البناء وجدد بناؤه بالإسمنت المسلح ثم هدم مرة أخرى وأعيد بناؤه على الشكل الحالي وذلك على نفقة إحدى النساء المحسنات جزاه الله خيراً .
وقد رأيت في رمضان بعض الصائمين يحضر له كيساً من القماش أو الخيش يدخل فيه ولم يبن منه إلا رأسه وذلك حماية من البعوض .
وقد كنا في يوم السابع والعشرين من كل رمضان نوزع على مصلي التراويح بعض اللقيمات المحلاه بالسكر المسحوق .
ومن أئمة المسجد الذين سمعنا بهم أو نعرفهم الشيخ إبراهيم بن عبد الله الرديني ، والسيد طاهر بن أحمد الرديني ، والسيد عبد المطلب بن علي الرديني ، والسيد هاشم بن عبد المطلب الرديني ، والشيخ محمد بن وصل الأحمدي والشيخ الشريف حميد بن حمود آل نامي والشيخ الشريف حامد بن حمود آل نامي والشريف خالد بن عتيق ابن إبراهيم والأخيران هما إماما المسجد الحاليان ، ومن المؤذنين عبيد ابن عبد الله المولد والشريف منصور بن ناصر آل نامي وحامد بن أحمد بن دهيس الصبحي ) ([9]).
قلت : وما أشار إليه العياشي والوالد مفرج السيد رحمه الله عن اللوح الذي كان بمسجد العريش هو إشارة لربما إلى النقش الموجود الآن في متحف المدينة المنورة ، وحجر تأسيسي من العصر المملوكي عثر عليه في بدر ويؤرخ لعمارة سبيل في بدر في عهد السلطان المملوكي قانصوه الغوري سنة 921هـ ونصه ( بسم الله الرحمن الرحيم ، حضر في إنشاء هذا المكان المبارك خشقدم أمير عشرة مشد العمارة السلطانية بالديار المصرية وكان الفراغ من هذا السبيل المبارك في ظهر ربيع الأول سنة أحد وعشرين وتسعماية ) .
كما ان هناك نقش اخر يؤرخ لتجديد عمارة مسجد الغمامة ( العريش ) سنة 1031هـ وكان مثبت على مسجد العريش . 

صور لمسجد العريش 










([1]) مغازي الواقدي ، ج 1 ص 49 .
([2]) مغازي الواقدي ، ج 1 ص 55 .
([3]) السمهودي ، خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ، ج 2 ص 492.
([4]) السيرة الحلبية ، ج 2 ص 214 ، دار الكتب العلمية ، ط2 ، 1427هـ.
([5]) الشريف إبراهيم العياشي ، غزوة بدر الكبرى ، ص 128 .
([6]) بحث للأستاذ عبد الله عطية الله الشريف بعنوان ( راعي بدر الشريف عاتق بن نامي ) بتاريخ 18 شعبان 1436هـ .
([7]) الشريف إبراهيم العياشي ، غزوة بدر الكبرى ، ص 25  .
([8]) الشريف إبراهيم العياشي ، غزوة بدر الكبرى ، ص 128 ، 129  .
([9]) من بحث للوالد مفرج السيد بعنون مأثر بدر  .