الاثنين، 23 فبراير 2026

يوم حليمة ( من أيام العرب )

 

حليمة ( يوم حليمة ) :

يوم من أيام العرب  ، وهو من أشهر أيام العرب ولذلك قيل ما يوم حليمة بسر وفيه يقول النابغة :

تخيرن من أزمان يوم حليمة

إلى اليوم قد جربن كل التجارب

وينسب هذا اليوم إلى حليمة بنت الحارث بن ابى شمر و نسب إليها لأن أباها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء فحضرت حليمة المعركة محرضة لعسكر أبيها على القتال واخرجت لهم طيبا فى مركن تطيبهم به ، ويزعم العرب ان الغبار ارتفع فى ذلك اليوم حتى غطى عين الشمس فظهرت الكواكب فسار المثل بذلك وقيل لأرينك الكواكب ظهرا كما قال طرفة :

إن تنوله فقد تمنعه

وتريه النجم يجرى بالظهر ([1])

وتذكر بعض المصادر أن حليمة أخرجت خلوقاً فخلقت به الفتيان ولم خلقت أحدهم واسمه لبيد بن عمرو دنا منها فبلها فلطمته وبكت فأمسكها أبوها إلى أن يذكر أن بعض أتباع الحارث ذهبوا إلى المنذر متظاهرين أنهم جاؤوا إليه ليخبروا أن الحارث يدين للمنذر وهو يريد أن يعطيه حاجته ، ثم غفل عسكر المنذر فحمل الغلمان على المنذر وقتلوه فقيل " ليس يوم حليمة بسر " فذهب مثلاً ([2]).

وهي معركة قيل أنها حدثت بين المناذرة وملكهم المنذر بن ماء السماء ( المنذر بن امرئ القيس ) والغساسنة وملكهم الحارث ابن أبي شمر الغسان المعروف بالحارث الأعرج وقتل فيه المنذر بن امرئ القيس ، وإن كانت بعض المصادر تذكر أن المقتول هو المنذر بن المنذر وأن المنذر بن امرئ القيس قتل في عين أباغ أو في الحيارين ( الخيارين ) بينما تزعم بعض المصادر أن عين أباغ ويوم حليمة واحد لمعركة واحدة قتل فيها المنذر بن امرئ القيس ([3]).

ويعتبر نولدكه كما يذكر جواد علي أن يوم حليمة حدث بين المنذر بن ماء السماء والحارث بن جفنة وقتل فيه المنذر وكان ذلك في سنة 554 م على مقربة من " قنسرين " بالقرب من الحيار ( الخيار ) ([4]) ، كما يذكر جواد على أن هذا حدث في سنة 554 م ([5]).

ويقول محمد بيومي مهران: (وعلى مقربة من "قنسرين" تنشب بين المنذر والحارث معركة رهيبة في عام 554م، تنتهي بقتل المنذر نفسه، فضلا عن ابن للحارث يدعى "جبلة" دفنه أبوه في قلعة "عين عوداجة" على مقربة من قنسرين -وربما كانت "عذبة" الحالية على مقربة من الطريق الروماني- على أن "نولدكه" إنما يرى أن الموقعة قد حدثت بالقرب من "الحيار" ربما اعتمادا على رواية عربية )  ، إلى أن يقول  أن سبب تسمية هذا اليوم بيوم حليمة : (ولعل هذه المعركة هي التي عرفت في أخبار العرب بـ"يوم حليمة"؛ ذلك لأن حليمة بنت الحارث هذه -طبقا للرواية العربية- كانت تحرض الرجال على القتال، أو لأن أباها قد أعلن أنها سوف تكون زوجة لمن يقتل المنذر، أو لأنها كانت قد أقبلت على مائة من المحاربين تطيب أجسامهم وتلبسهم الأكفان والدروع، وأيا ما كان الأمر، فهناك ما يشير إلى شهرة هذا اليوم من بين أيام العرب في الجاهلية، فقد جاء ذكره في شعر النابغة الذبياني، كما جاء في الأمثال، "ما يوم حليمة بسر"، وإن كان "نولدكه" إنما يذهب إلى أن "حليمة" هذا، إنما هو اسم مكان، وليس اسما لامرأة، هي ابنة الحارث -طبقا لرواية الأخباريين- كما أنه لا يفرق بين المواضع والمعارك التي دارت في "الحيار" و"ذات الخيار" و"يوم الحيارين"، التي ترددت في كتب التاريخ والشعر العربي، كما أنه يرى أنها جميعا، إنما تشير إلى معركة واحدة، لقي المنذر فيها حتفه )([6]) .

وقد اشتهر اليوم في الأمثال عند العرب ، فقالوا فيه في الأمثال ( ما يوم حليمة بسر ) وزعموا أنه ظهرت فيه الكواكب بالظهر ([7]).

ويقول ابن الأثير في الكامل أن المنذر بن المنذر اللخمي جمع عسكرا ضخما وسار نحو الشام وسار ملك الشام وهو عند الأكثر الحارث بن أبي شمر فنزل مرج حليمة وهو ينسب لحليمة بنت الملك ونزل الملك اللخمي في مرج صفر ، وأن الحارث انتدب مائة غلام وقيل ثمانين غلاما فألبسهم السلاح وأمر ابنته حليمة أن تطيبهم وتلبسهم ففعلت فلما مر بها لبيد بن عمرو قبلها فأتت أباها باكية فقال لها هو أسد القوم ولئن سلم لأنكحته إياك وأمره على القوم وساروا فلما قاربوا العسكر العراقي جمع الملك رءوس أصحابه وجاء الغسانيون وعليهم السلاح فلما تتاموا عند الملك أبدوا السلاح فقتلوا من وجدوا وقتل لبيد بن عمرو ملك العراقيين وأحيط بالغسانيين فقتلوا إلا لبيد بن عمرو استوى على فرسه وعاد فأخبر الملك فقال له : قد أنكحتك ابنتي حليمة ، وتفقد أهل العراق أشرفهم وإذا بهم قد قتلوا فضعفت نفوسهم لذلك وزحفت إليهم غسان فانهزموا  ([8]).

ويذكر ابن الأثير في موضع اخر أنه لما قتل المنذر بن ماء السماء في عين أباغ ملك بعده ابنه المنذر وتلقب السود فجمع جيوشه وسار إلى الحارث الأعرج طلبا بثأر أبيه وسار المنذر حتى نزل مرج حليمة وسمي بذلك لاسم حليمة بنت الحارث الغساني ، فنزل الحارث بالمرج ، فأقامت الحرب بينهما أيام لم ينتصف بعضهم ببعض ودعا ابنته هندا وأمرها أن تتخذ الطيب ثم دعى أصحابه أن من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هندا ، فقتل لبيد بن عمرو الغساني الأسود وانهزم أصحابه ([9]).

ويتبين وكما يذكر جواد علي من هذا الخبر  أن الموضع الذي وقع فيه القتال اسمه "مرج حليمة"، وأن اسم ابنة الحارث هو "هند" لا حليمة، وأن المقتول فيه هو "الأسود" لا المنذر، وأن هذا اليوم قد وقع بعد "يوم عين أباغ" ([10]).

وعلى العموم فإن الأخباريون يختلفون كثيرا في يوم حليمة ويوم عين أباغ كما يختلفون في المقتول فيهما يقول ابن الأثير في حديثه عن يوم حليمة : ( قلت: قد اختلف النسابون وأهل السير في مدة الأيام وتقديم بعضها على بعض، واختلفوا أيضا في المقتول فيها، فمنهم من يقول: إن يوم حليمة هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن ماء السماء، ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر، ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحدا فيقول: لم يقتل إلا المنذر بن ماء السماء. وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة، وقيل: إن المقتول من ملوك الحيرة غيرهما، فالصحيح أن المقتول هو المنذر بن ماء السماء لا شك فيه، وأما ابنه ففيه خلاف كثير، والأصح أنه لم يقتل، ومن أثبت قتله اختلفوا في سببه، على ما ذكرناه. وإنما ذكرت اختلافهم والحادثة واحدة، لأن كل سبب منها قد ذكره بعض العلماء، فمتى تركنا أحدهما ظن من ليس له معرفة أن كل سبب منها حادث مستقل. وقد أهملناه، فأتينا بهما جميعا لذلك ونبهنا عليه. )([11]) .

ويزعم  بعض الأخباريين  أن يوم حليمة يوم  انتصر فيه الغساسنة على الضجاعمة وذلك بعد أن ثارت الحرب بين الضجاعمة والغساسنة وكان لرئيس غسان ابنة جميلة يقال لها "حليمة"، فأعطاها خلوفا لتخلق به قومها، وانتصر الغساسنة بذلك اليوم على الغساسنة. فقالوا: "ما يوم حليمة بسر" ([12]).



([1]) انظر : ثمار القلوب ص 311، دار المعارف ، القاهرة ، وانظر كذلك : الأعلام للزركلي ج 2 ص 270 ، دار العلم للملايين ، ط 15 .

([2]) انظر المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 5 ص 232 – ط4 ، دار الساقي .

([3]) انظر جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 5 ص 231 – 241 ، ط4 ، دار الساقي ، فقد تحدث عن هذا الموضوع واختلاف الأخباريون حول هذا الموضوع بإسهاب .

([4]) انظر المفصل ج 6 ص 98 ، و ج 5 ص 232 ، ط4 ، دار الساقي .

([5]) انظر المفصل ج 5 ص 219 ، ص 227 ، و ج18 ص 44 ، ص 114 ،

([6]) دراسات في تاريخ العرب القديم ص 511 ، دار المعرفة الجامعية ،  الاسكندرية  ، 1993م .

([7]) انظر نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب ص 277 ، مكتبة الأقصى .

([8]) انظر الكامل في التاريخ ج 1 ص 491 ، 492- ط1 ، دار الكتاب العربي .

([9]) انظر الكامل في التاريخ ج 1 ص 488 ، 489 ، ط1 ، دار الكتاب العربي .

([10]) انظر المفصل ج 5 ص 234 ، ط4 ، دار الساقي .

([11]) انظر الكامل في التاريخ ج 1 ص 492 ، ط1 ، دار الكتاب العربي .

([12]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 6 ص 88 ، ط4 ، دار الساقي .

الأحد، 22 فبراير 2026

سنمار

 

سنمار الرومي :

وهم يزعمون أنه كان يستطيع أن يبنى بناء يدور مع الشمس أو قصرا إذا أزيلت منه حجرة لتهدم القصر ، وقد ألقاه الملك من على سطح القصر الذي بناه لانه خشى أن يبني مثله لغيره ([1]).

وهو بناء رومي قيل أنه باني الخورنق في الحيرة للنعمان بن امرئ القيس ( النعمان ابن الشقيقة اللخمي المعروف بالسائح ) وعرف في الأمثال ( جزاء سنمار ) يضرب به المثل للمحسن يكافأ بالإساءة ، وذكروا في المثل أن سنمار الرومي بنا المصانع والحصون والقصور للنعمان وبنى الخورنق على فرات الكوفة للنعمان بن امرئ القيس ( وقيل للنعمان بن المنذر ) في مدية عشرين سنة ( وفي بعض المصادر مدة ستين سنة ) فكان يبني مدة ويغيب مدة يريد بذلك أن يضمئن البنيان ويتمكن فلما فرغ منه وصعده النعمان وهو معه أعجبه حسن البناء وطيب موضعه فقال سنمار أنه يعرف في أركانه موضع حجر لو زال لزال جميع البنيان ، فرمي به النعمان من أعالي البنيان حتى لا يعلم أحد بمكان ذلك الحجر فتقطع سنمار ، وقيل بل قتله مخافة أن يبني مثله لغيره من الملوك ، فقال شرحبيل الكلبى وجعل الحديث مثلا :

جزانى جزاه الله شر جزائه

جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

سوى رصه البنيان عشرين حجة

يعالى عليه بالقراميد والسكب

فلما رأى البنيان تم سحوقه

وآض كمثل الطودذى الباذخ الصعب

وظن سنمار به كل نافع

وفاز لديه بالكرامة والقرب

فقال أقذفوا بالعلج من رأس شاهق

وذاك لعمر الله من أعظم الخطب ([2]) .

وقيل أن النعمان بن الشقيقة اللخمي بنا الخورنق بأمر يزدجرد بن سابور لابنه بهرام جور فلما فرغ سنمار من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال سنمار : لو علمت أنكم توفوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقه لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت ، فقالوا وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه ؟ ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق .

وروي أنه قال: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال: أم والله لا تدلّ عليه أبدا، فذلك قول أبي الطّمحان القيني:

جزاء سنمار جزاها وربّها

وباللّات والعزّى جزاء المكفّر

وقول سليط بن سعد:

جزى بنوه أبا غيلان عن كبر

وحسن فعل كما يجزى سنمار

وقول عبد العزيز بن امرىء القيس الكلبي:

جزاني جزاه الله شرّ جزائه

جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب

سوى رصّه البنيان عشرين حجة

يعلّ عليها بالقراميد والسكب ([3]) .

وتذكر مصادر أخرى أن سنمار بنى  حصن يقال له الصنبر لأمرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس كما زعموا وفي هذا الحصن يقول الشاعر :

ليت شعري متى تخب به

الناقة نحو العذيب والصنبر

وقالوا أنه امرؤ القيس بن النعمان قتل سنمار الباني لقصره قال الملتمس :

جزائي أخو لخم على ذات بيننا

جزاء سنمار وما كان ذا ذنب ([4]) .

وقيل أن سنمار بناه لكسرى فأعجب كسرى منه وخاف أن يبني لغيره مثله فقتله ، وقيل أنه قتله لقوله أعرف في أركانه موضع حجر إن نقضته تداعى هذا البناء كله ([5]) .

وقيل أن سنار هو الذي بنى أطم أحيحة ابن الجلاح الأوسي سيد يثرب بالجاهلية فلما فرغ منه فلما فرغ منه قال له أحيحة : لقد أحكمته ، قال : إني لأعرف فيه حجراً لو نزع لتقوض من عند آخره ، فسأله عن الحجر فأراه موضعه فدفعه أحيحه من الأطم فخر ميتاً ([6]) .

وفي البيت :

جزتنا بنو لحيان أمس بفعلنا

جزاء سنمار بما كان يفعل

وقيل أن السنمار في لغة هذيل : اللص ، وذلك أنهم كانوا يقولون للذي لا ينام الليل سنمار فسمي اللص به لقلة نومه ([7]) ، فهل هذا البيت يفسر قصة سنمار هذا ! .



([1])معجم الأساطير والحكايات الخرافة الجاهلية ، ص 199 .  .

([2]) انظر ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص 139 ، دار المعارف ، القاهرة .

([3]) التذكرة الحمدونية ج3 ص 33 ، 34، دار صادر، بيروت ، ط1، 1417 هـ .

([4]) انظر تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء ص 81 ، دار مكتبة الحياة ، بيروت .

([5]) محاضرات الأدباء ج 2 ص 623 ، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم ، ط1 .

([6]) مجمع الأمثال ج 1 ص 159 ، المحقق: محمد محيى الدين عبد الحميد ، دار المعرفة ، بيروت، لبنان . وانظر : المفصل في تاريخ العرب ج 5 ص 200 ، 201 ، دار الساقي ، ط4 .

([7]) انظر مجمع الأمثال ج 1 ص 177 ، دار المعرفة .

الخميس، 19 فبراير 2026

 تحمل كتب عن بدر وتاريخها وتراثها على الرابط التالي :

كتب عن تاريخ بدر ووادي الصفراء



كليب وائل

 

كُليب وائل:

هو كليب وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حُبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، ولقب كليبا لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب فإذا مر بروضة أو موضع أعجبه ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه وكان يقال له كليب وائل ثم اختصروا فقالوا كليب فغلب عليه ([1])، وهكذا تروى القصة سبب تلقيبه بهذا الاسم وقد لاحظنا في أكثر من موضع من أسماء رجال الجاهلية كيف ان الألقاب قد غلبت على الأسماء واشتهرت أكثر من اشتهار الأسماء ولا ارى أن ما يذكر في هذا الموضوع إلا من ابتكارات الإخباريين في تفسير كل أسم من أسماء أعلام الجاهلية ، وإن كان العرب قد عرفوا بحبهم للألقاب من العصر الجاهلي . 

و هو سيد الحيين بكر وتغلب في الجاهلية سيد ربيعة في زمانه وقاد نزار كلها  ، وأحد الأبطال والشجعان ، وهو أخو " مهلهل بن ربيعة " وخال امرئ القيس بن حجر الكندي ،  عرف عنه تسلطه وتشبهه بالملوك وبغيه وتجبره ، والعرب تضرب به المثل في العز والقوة والظلم وكان لا يظلم إلا القوي وبلغ من عزه وظلمه أنه كان يحمي الكلأ ويجير الصيد ، وحرم الناس الصيد والرعي في أكثر الربوع وبلغ من هيبته انه كان يحمي مواقع السحب ، حتى قيل في الأمثال ومن أمثالهم : " هو في حمى  كليب " لمن كان آمنا ، وكان مقتله سبب في إثارة حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب المشهورة التي دامت أربعين سنة ،  وقد قتله الجساس بن مرة الكلبي ، وتذهب الرواية إلى أن امرأة من بني تميم تدعى البسوس كانت لها ناقة اقتحمت حرم كليب فقتلتها ؛ فغضب جساس، وانتقم منه بقتله. فكان ذلك سببا في قيام حرب البسوس بين بني تغلب وبني بكر والتي استمرت أربعون سنة كما يزعمون ([2]). وقد ذكر ياقوت أنه قتل في الذنائب وهي عن يسار ولجة للمصعد إلى مكة وبه قبره ([3]).

وقد قيل أنه لم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر وهم : الأول عامر بن الظرب  وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى تهامة والثاني ربيعة بن الحارث وكان قائد معد بوم السلان بين أهل اليمامة واليمن ، والثالث وائل بن ربيعة وكان قائد معد يوم خزاز ففض جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته وبقى زمانا من الدهر حتى دخله زهو وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه يحمي مواقع السحاب فلا يُرعى حماه ([4]).

ويرتبط كليب وائل بأيام كانت معروفة في تاريخ العرب ومنها يوم السلان ويوم خزاز وحرب البسوس . وقد ذكرنا من قبل في يوم خزاز ان يوم السلان وخزاز كان بعد وفاة الحارث بن عمرو الكندي في بعض الروايات ، وقد حكم الحارث بن عمرو من سنة 490 م - وحتى 528م  .

 ويذكر جواد علي أننا إذا أخذنا بمن يذكر أن يوم خزاز كان عقب السلان يكون هذا اليوم قد وقع أيام النعمان بن المنذر أي في أواخر أيام المناذرة وفي النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ([5])  ، أي انه حدث بعد سنة 582م  وهذا يتعارض مع ما ذكره جواد علي من أن كليب وائل من رجال النصف الأول من القرن السادس الميلادي ، ويتعارض مع ما ذكره الزركلي عن وفاة كليب وائل في عام 492م ويتعارض أيضا مع ما يذكر من قتل عمرو بن كلثوم وهو بمثابة حفيد كليب وائل لعمرو بن هند في عام 568م  ، وقد ذكرنا في يوم السلان أن هناك يومان يعرفان بيوم السلان يوم جرى قبل يوم خزاز وقد جرى بين معد وقبائل اليمن ويوم جرى في زمن النعمان بن المنذر بين جيش النعمان وتميم من جهة وبني عامر وانهزم فيها جيش النعمان وباالتالي فقد اخطأ جواد على في ربطه يوم خزاز بالنعمان بن المنذر لأن ذلك كان يوم السلان الثاني لا الأول .

وفي اعتقادنا أنه إن ثبت أن قائد معد في يوم خزاز هو كليب وائل وقائد جموع اليمن سلمة بن الحارث فإن هذا اليوم قد جرى ما بين عامي 528م حيث انتهى عصر الحارث بن عمرو الكندي وحتى عام 568م [ يحدد الزركلي وفاة عمرو بن هند عام بنحو عام 578م ] وجرى فيه مقتل عمرو بن هند على يد عمرو بن كلثوم ( ت 584م ) ابن اخت كليب وائل على الأكثر والذ ذكر يوم خزاز في شعره ، وقيل فيه " لولا عمرو بن كلثوم ما عرف يوم خزاز " .

وتريط روايته بمقتل أحد ملوك اليمن واسمه وقيل صهبان بن أبي حرب ( صهبان بن محرث ) وتذكر هذه الرواية أنه ملك بعد أبرهة بن الصباح بن لهيعة وكان ابن عمه، وأن صهبان استعمل على معد الحارث بن عمرو الكندي فلما مات الحارث ثارت قبائل معد على أبنائه فقتلوهم وطردوهم فغضب صهبان وتهجز للمسير إلى مضر فاستنصرت مضر ربيعة واجتمعت مضر وربيعة ورئيسهم كليب فقاتلوا صهبان في السلان فهزموه وقتلوه في خزاز ([6]) ، وهذه الرواية أيضًا تربط بين كليب ويوم خزاز وتتحدث عن أن هذا اليوم جرى بعد موت الحارث بن عمرو الكندي . 

ويذكر صاحب الأخبار الطوال في رواية أخرى شبيهة تذكر أن يوم خزاز يرتبط بمقتل صهبان ابن ذي خرب وقيل أنه أحد ملوك حمير لم قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع تضعضع أمر حمير فوثب صهبان ابن ذي خرب على عمرو بن تبع فقتله واستولى على الملك ، وأنه ملك الحارث بن عمرو الكندي الذي ولى ابناءه على قبائل مضر  فلما مات الحارث بن عمرو ، وثبت قبائل مضر وربيعة على أبناء الحارث وقتلوهم طردوهم فلما بلغ صهبان ذلك آل على نفسه ليغزون مضر بنفسه فاجتمعت مضر وربيعة وولوا الأمر كليبًا فلقيهم صهبان وجيشه بسلان فانهزمت اليمن ، فنصرف الملك إلى أرضه مفلولًا فمكث حولا ثم تجهز لمعاودة الحرب فاجتمعت معد على كليب فالتقوا بخزازي فقتل الملك  صهبان  ([7]). ووثوب صهبان على عمرو بن تبع هذا يقتضي أن يكون هذا قد حدث  في منتصف القرن الخامس الميلادي فحسان تبع هو حسان يهأمن بن أبي كرب أسعد والذي ملك في سنة 420م ، بينما موت الحارث بن عمرو كان في 528م وهي فترة طويلة ليملك هذا الملك .

ويذكر جواد علي أن " هناك روايات أخرى تذكر أن هذا اليوم، إنما كان قد وقع بين ملك من ملوك اليمن وبين قبائل معد، ولا علاقة له بسلمة وببني آكل المرار أو المنذر بن ماء السماء في هذا اليوم، الذي أدى إلى انتصار بني معد على أولاد قحطان " ([8]) ، وهذا قد يوسع من زمن تحديد تاريخ هذا اليوم في القرن الخامس أو السادس .

وعلى العموم فإن أبو عمرو بن العلاء يذكر أن هذا اليوم قديم وعمرو بن العلاء يستنتج من شعر عمرو بن كلثوم أنه لا علاقة لكليب وائل بهذا اليوم ([9]) .

وقد حدد الزركلي زمانه كليب وائل بين ( 433 – 492 م ) ([10]) ، بينما يعتبر جواد علي ان كليب وائل من معاصري زهير بن جناب ومن المنافسين له ومن رجال النصف الأول من القرن السادس للميلاد وقد جمع شمل قبائل ربيعة تحت رايته ثم جمع شمل معد ([11]) وقد سبق أن ذكرنا وفي ترجمة زهير بن جناب أن زهير قاد العرب بعد حملة أبراهة على نجد سنة 552م.

وكليب وائل هو جد عمرو بن كلثوم وقد قتل عمرو بن كلثوم ملك الحيرة عمرو بن هند في عام 568م [ يذكر الزركلي ان مقتل عمرو بن هند كان نحو ( 45 ق . هـ =  578م  ] وكليب وائل هو بمثابة جد عمرو بن كلثوم فأم عمرو هي ليلى بنت المهلهل بن ربيعة أخو كليب بن المهلهل فيكون ما بينهما وعلى قاعدة النسب ما يقارب الستين سنة أي أن كليب وائل قتل في النصف الأول من القرن السادس أو أواخر القرن الخامس ، وما يؤيد هذا أن مهلهل عاش بعد كليب هذا بما يزيد عن أربعين سنة أي ان موت كليب كان قبل عام 528م على الأقل ، ومما يزيد في تأكيد صحة ذلك أنهم يذكرون أن أول من قصد القصائد المهلهل بن ربيعة وكان ذلك في زمن هاشم بن عبد مناف أو عبد المطلب ورعم ان جواد علي يرفض هذا الرأي ويرى أن هذا لا يؤيده أي نص تاريخي ([12]) .

وكان لكليب وائل ولحرب البسوس تأثيره الكبير على التراث الشعبي العربي ، يقول عبد الحميد يونس في معجم الفولكلور : ( ولقد اتخذت حرب البسوس مكاًنا بارزا في أيام العرب الجاهليين، وتردد اسم كليب في الروايات الخاصة بالنزاع بين بكر وتغلب بصفة عامة. وهكذا أصبح كليب من الشخصيات التي يضرب بها المثل في القوة والسلطان. وإذا كان اسم كليب قد ذكر في بعض الشعر الجاهلي؛ فإن شخصيته والحوادث التي ارتبطت بسيرته وفعاله أصبحت نواًة حية للقصص الشعبي . )([13]) .



([1])انظر : مجموع أيام العرب في الجاهلية والإسلام  لإبراهيم شمس الدين ص 25 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، 1422هـ / 2002 م .

([2]) انظر : ثمار القلوب ص 99 ، دار المعارف ، القاهرة . وانظر :  الأعلام ج 5 ص 232 ، 233  . وانظر : معجم الفولكلور ص 182 .

([3]) انظر : العقد الفريد ج 1 ص 113 ، ط2 ، دار صادر .

([4])انظر : مجموع أيام العرب في الجاهلية والإسلام  لإبراهيم شمس الدين ص 26 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، 1422هـ / 2002 م .

([5])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 10 ص 32 .

([6]) انظر : نهاية الأرب في فنون الأدب ، ج 15 ص 302 ، دار الكتب والوثائق القومية  .

([7]) انظر : الأخبار الطوال ص 52 ، 53 ، دار إحياء الكتب العربي .

([8])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 2 ص 152 .

([9])انظر : العقد الفريد ، ج 6 ص 97 ، 98 . .

([10]) انظر : الأعلام للزركلي ج 5 ص 232 ، ط15 ، دار العلم للملايين .

([11])المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 10 ص 75 .

([12]) امظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 17 ص 423  .

([13]) معجم الفولكلور ص 182 .